الشيخ محمد رشيد رضا

43

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ومالكهم ومدبر جميع أمورهم - وانه بمقتضى هذه الرسالة لا يقول على اللّه الا الحق إذ لا يمكن أن يبعث اللّه رسولا يكذب عليه ، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ، فهو حقيق بالصدق والتزام الحق في التبليغ عن ربه ومعصوم من الكذب والخطأ فيه ، وشديد الحرص عليه بما له من الكسب والاختيار - فاشتمل كلامه على عقيدة الوحدانية وهي أن للعالمين كلهم ربا واحدا ، وعقيدة الرسالة المؤيدة منه تعالى بالعصمة في التبليغ والهداية ، وقد ناقشه فرعون البحث في وحدانية الربوبية العامة للّه تعالى كما هو مبين في سورة الشعراء فوصفه موسى بما يليق به تعالى ويوضح المعنى المراد في أجوبة عدة أسئلة أوردها عليه ، وقد سأله هو وهارون عن ربهما في سياق سورة طه ، وجاء فيما حكاه اللّه تعالى عنهما فيها ذكر البعث والجزاء . وكان قدماء المصريين يؤمنون بالبعث كما يؤمنون بالرب الاله الغيبي ولكنهم شابوا العقيدتين بنزغات الشرك وبعض الخرافات الناشئة عنه . فعلم من هذا أن موسى قد بلغ فرعون وملأه أصول الايمان الثلاثة : التوحيد والرسالة والبعث والجزاء ، وفي كل سياق من قصة موسى المكررة في عدة سور فوائد في ذلك وفي غيره لا توجد في الأخرى . - وابسطها وأوسعها بيانا هذه السورة ( الأعراف ) وطه والشعراء والقصص - وانما التكرار لجملة القصة لا التفصيل لها كما سيأتي ثم ذكر أن اللّه تعالى أيده ببينة تدل على صدقه في دعواه وتبليغه عنه ورتب عليه ما هو مقصود له بالذات أو بالقصد الأول فقال حكاية عنه : قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي قد جئتكم ببينة عظيمة الشأن ، ظاهرة الحجة في بيان الحق ، فتنكير البينة للتفخيم ، والتصريح بكون هذه البينة المعجزة من عند ربهم نص على أنهم مربوبون وان فرعون ليس ربا ولا آلها ، وعلى أنها أي البينة ليست من كسب موسى ولا مما يستقل به عليه السّلام - وبنى على هذا قوله فأرسل معي بني إسرائيل أي بأن تطلقهم من أسرك ، وتعتقهم من رق قهرك ، ليذهبوا معي إلى دار غير ديارك ، ويعبدوا فيها ربهم وربك . وبم أجاب فرعون ؟ * * * قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ اي قال فرعون لموسى عليه السّلام : ان